سياسية

أزمة صامتة تهز المجالس الترابية : مشاريع تتهاوى و إتفاقيات تلغى تحت ضغط الإفلاس

تعيش عدد من مجالس العمالات والأقاليم بجهة الدار البيضاء-سطات على وقع ارتباك مالي غير مسبوق، دفعها إلى عقد دورات استثنائية مستعجلة لإعادة النظر في اتفاقيات شراكة سبق أن صادقت عليها بالإجماع أو الأغلبية. خطوة تعكس عمق الأزمة، وتكشف عن اختلالات بنيوية في تدبير المشاريع التنموية على المستوى الترابي.

المعطيات المتوفرة تشير إلى أن هذه المجالس وجدت نفسها أمام عجز مالي واضح، حال دون توفير الاعتمادات الضرورية لتنزيل مشاريع حيوية، ما وضعها بين خيارين أحلاهما مر: تجميد المشاريع أو الانسحاب من الاتفاقيات. وهو ما دفع عدداً من الرؤساء إلى إشعار السلطات الوصية بضرورة التراجع عن التزامات سابقة، بشكل اضطراري لتفادي مزيد من التعقيد المالي.

ولا تقف خطورة الوضع عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى طبيعة المشاريع المعنية، والتي تشمل مجالات أساسية مثل البنيات التحتية، وصيانة الطرق، وتحسين خدمات النقل، إلى جانب برامج اجتماعية تستهدف الفئات الهشة. مشاريع كانت تعوّل عليها الساكنة لتحسين ظروف عيشها، لتتحول اليوم إلى وعود مؤجلة أو ملغاة.

الأزمة، بحسب مصادر متطابقة، ليست ظرفية فقط، بل تعكس خللاً أعمق في منهجية التخطيط، حيث تتم المصادقة على اتفاقيات دون توفر رؤية مالية دقيقة أو ضمانات حقيقية للتمويل. وعند الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، تظهر الفجوة بين الطموح والإمكانيات، لتنهار المشاريع تحت ضغط الواقع.

كما أن محدودية الموارد الذاتية لهذه المجالس تزيد من حدة الإشكال، في ظل اعتماد كبير على تحويلات الدولة، ما يجعل ميزانياتها رهينة لتقلبات خارجية. ويضاف إلى ذلك ثقل النفقات الإجبارية، خاصة كتلة الأجور ومصاريف التسيير، التي تلتهم جزءاً مهماً من الموارد، وتقلص هامش الاستثمار.

وفي بعض الحالات، تطرح تساؤلات حول الخلفيات الحقيقية لبعض الاتفاقيات، التي يُشتبه في أنها اتخذت طابعاً سياسياً أو انتخابياً، بهدف إظهار “دينامية” المجالس، دون الاستناد إلى دراسات جدوى دقيقة أو تقديرات مالية واقعية. وهو ما يحول هذه المشاريع، لاحقا، إلى عبء ثقيل يفاقم أزمة السيولة بدل أن يساهم في التنمية.

إلغاء هذه الاتفاقيات لا يمر دون كلفة، إذ ينعكس سلباً على ثقة الشركاء المؤسساتيين والخواص، ويضعف مصداقية المجالس المنتخبة، كما يؤجل تحقيق مشاريع كانت تمثل أولوية لعدد من المناطق، خصوصاً الهشة منها.

في المحصلة، تكشف هذه الأزمة عن حاجة ملحة لإعادة النظر في طرق إعداد الاتفاقيات وبرمجة المشاريع، بما يضمن التوازن بين الطموح التنموي والقدرة المالية. فالتنمية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى قابلية تنفيذها واستدامة أثرها على أرض الواقع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى