في مدينة الرباط، وعبر بوابة المعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الحادية والثلاثين، يلوح لزوار العاصمة المغربية إرث الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة، وكأن التاريخ قد عاد ليحط رحاله مجدداً في العصر الحديث. في هذه الدورة من المعرض، التي تحتفل بذاكرة هذا الرحالة العظيم، يشعر الزوار وكأنهم يعيدون اكتشاف العالم كما شاهده ابن بطوطة قبل قرون، وفي هذه اللحظة الفريدة، يعود الماضي ليكتشف الحاضر، ويجتمعان في تجربة ثقافية تجمع بين الأبعاد التاريخية والافتراضية.
لقد استطاع المعرض أن يعيد إبراز صورة ابن بطوطة من خلال مجموعة من المخطوطات النادرة، والوثائق الفريدة التي تسجل تفاصيل رحلته الممتدة من المغرب إلى الصين. تتنوع المعروضات ما بين خرائط تروي مسار رحلته، وطبعات نادرة لكتبه، فضلاً عن معارض فوتوغرافية ومنصات تفاعلية تتيح للزوار التفاعل مع إرثه وكأنهم يلتقون به وجهًا لوجه. هذه التجربة التي تدمج بين التاريخ والحداثة تمنح الزوار فرصة للغوص في تفاصيل حياته واكتشاف مساراته في البلدان التي زارها، مع التركيز على التحديات التي واجهها والمشاهدات التي دوّنها في أسفاره.
أحد الزوار، الطالب أسامة القادم من الدار البيضاء، عبر عن انطباعه قائلاً: “مشاهدتي للصور المقربة لشخص ابن بطوطة وما تابعته من فقرات في المعرض أشعلت في نفسي شغفًا لإعادة اكتشاف هذا الرحالة الفذ”. وأضاف أن جولته داخل المعرض جعلته يشعر وكأن ابن بطوطة قد عاد إلى العاصمة الرباط ليعيش بيننا في العصر الحديث.
ويعكس هذا التفاعل المتجدد مع ابن بطوطة أهمية رحلة هذا الرجل، الذي يعتبره كثيرون أعظم رحالة في العصور الوسطى، في تعزيز فهمنا للعالم وللآخر. فقد قدم ابن بطوطة للعالم صورة مفصلة عن أماكن وثقافات لم تكن معروفة في زمانه، وفتح آفاقًا جديدة للتعرف على الشعوب والحضارات المختلفة.
المعرض، الذي يتضمن أيضًا سلسلة من الندوات واللقاءات حول أدب الرحلة، لا يقتصر على مجرد عرض للماضي، بل يضعه في سياق حديث ويعرض كيفية تفاعل العالم مع رؤية ابن بطوطة للعالم. كما يعرض 25 فيلمًا وثائقيًا حول أهم الرحلات التاريخية عبر العصور، مما يتيح للزوار اكتشاف السياقات التي عاش فيها ابن بطوطة وحركاته الثقافية والاجتماعية، فضلاً عن مكتبة خاصة بأدب الرحلة.
تعتبر الرباط في هذه الدورة من المعرض نقطة انطلاق لاستكشاف عوالم جديدة عبر عدسة ابن بطوطة، الذي رحل عن الدنيا قبل قرون، لكن إرثه ظل حاضراً في ذاكرة الإنسانية. المعرض ليس مجرد مناسبة ثقافية، بل هو احتفاء بمسار تاريخي طويل من الرحلات والاكتشافات التي وثقها ابن بطوطة. في رباط اليوم، يمكن للزوار أن يعبروا مع ابن بطوطة المسافة التي قطعها في رحلاته عبر 120 ألف كيلومتر، في تجربة يتفاعل فيها الماضي مع الحاضر، ويشعر الجميع بأن الرحالة المغربي لا يزال حاضراً بينهم، سواء عبر كتبه أو من خلال الصور والوثائق التي تنقلهم إلى تلك الأمكنة التي زارها في زمنه.
الأستاذ أحمد الصديقي، أستاذ التاريخ بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، أكد في حديثه أن أبعاد رحلة ابن بطوطة تساهم في تعزيز التربية على المواطنة العالمية، إذ تعرض للمتابعين صورًا متنوعة عن ثقافات مختلفة وتعرض تنوع الشعوب وأسلوب حياتها. وبهذا، يتيح المعرض للزوار التعرف على التنوع الثقافي والحضاري الذي يعكسه أدب الرحلة، ويسهم في ترسيخ قيم التسامح واحترام الآخر.
من خلال المعرض، يتجدد اللقاء مع ابن بطوطة، لكن هذه المرة بطريقة افتراضية تعكس التقدم التكنولوجي وتتيح للجمهور فرصة فريدة للتفاعل مع هذا الإرث العظيم. ذلك أن مخطوطاته التي نُسخت وحفظت عبر العصور، تظل مرجعًا مهمًا ليس فقط لفهم التاريخ الجغرافي، بل أيضًا لتسليط الضوء على التقاليد الثقافية والتواصل بين الشعوب.
وفي الختام، يظل كتاب “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” أحد أبرز الأعمال الأدبية التي وثقت هذه الرحلات الاستثنائية، ليكون مرجعًا تربويًا غنيًا يسهم في غرس قيم الاكتشاف وحب المعرفة لدى الأجيال الجديدة.
0 0 2 دقائق




