في خضم الأحداث المتسارعة التي تشهدها مالي، وخاصة بعد قرار الحكومة المالية سحب اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” التي فرضتها الجزائر على باماكو في وقت سابق، ألقى الأكاديمي والمؤرخ الجيلالي العدناني الضوء على أبعاد هذا القرار وتأثيراته السياسية والجيوسياسية على منطقة الساحل، فضلاً عن تفاعلاته مع ملف الصحراء المغربية.
ووفقاً للعدناني، فإن ما تشهده مالي من تطورات ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج لتعقيدات تاريخية تعود جذورها إلى مطلع القرن العشرين، تحديداً في عام 1909 عندما رسمت فرنسا “خط نيامي الوهمي” بين مالي وموريتانيا والجزائر، وهو الخط الذي كان له دور كبير في منع المغرب من استكمال حدوده الطبيعية مع إفريقيا الغربية، وهو ما تضمنته اتفاقية 1901. هذا الخط، حسب المؤرخ، كان له تأثيرات سلبية على تطور العلاقات بين المغرب والدول الجارة، وأدى إلى دور الجزائر كـ”حارس” للمصالح الفرنسية في المنطقة بعد استقلالها.
وتتبع العدناني التحولات التاريخية التي كان لها دور كبير في تعميق هذه الأزمات. ففي سنة 1963، بينما كان المغرب في وضع دفاعي بعد “حرب الرمال” مع الجزائر، عملت الجزائر على تسليح الجماعات في منطقة الطوارق، وتحديداً في “أزواد”، وهو ما أضاف تعقيدات جديدة للمنطقة. وقد أظهرت الأرشيفات العسكرية الفرنسية لاحقاً أن المزاعم التي كانت تُوجه ضد المغرب بأنّه كان يدعم الحركات الانفصالية كانت في الواقع جزءاً من التدخلات الجزائرية التي طالت باماكو نفسها.
وفيما يتعلق بالتأثير الجزائري المباشر على مالي، يعرض العدناني قضية “الابتزاز السياسي” الذي تعرضت له الحكومة المالية في عهد الرئيس الراحل موسى تراوري، حيث تم الضغط على باماكو لتدعم جبهة “البوليساريو” في مقابل تهديدات باضطرابات انفصالية في شمال البلاد. هذه السياسة الجزائرية تسببت في فرض إقامة قواعد عسكرية لتدريب عناصر الجبهة في مالي، مما كان له تداعيات طويلة الأمد على العلاقة بين البلدين.
وتابع العدناني تحليل تطور الوضع الإقليمي مشيراً إلى أن سحب مالي الأخير لاعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” شكل ضربة مفاجئة للنظام الجزائري. هذا القرار، الذي تم فرضه على مالي منذ عام 1982، يعكس تحولاً جوهرياً في سياسة باماكو تجاه قضية الصحراء، وهو ما دفع الجزائر إلى التدخل عبر استخدام ورقة الجماعات المسلحة في منطقة “أزواد” ومن خلال جماعة “أنصار السنة” لتحريك الأوضاع في مالي.
وتوقع العدناني أن هذه التدخلات الجزائرية قد تكون مرتبطة بأنشطة إرهابية وتقلبات أمنية في بعض المدن المالية، وهو ما قد يكون جزءاً من استراتيجية استخباراتية تهدف إلى الضغط على الحكومة المالية. وأشار إلى أن المخابرات العسكرية الجزائرية قد تكون وراء التفجيرات الأخيرة في مالي، موضحاً أن هذا النهج قد يكون “انتحارياً” وقد يعود على الجزائر بنتائج عكسية، خاصة في ضوء التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.
وفي سياق مختلف، يعرض العدناني “المبادرة الملكية الأطلسية” كمحور مهم في الصراع الجيوستراتيجي في المنطقة. ويفسر أن هذه المبادرة، التي تركز على ربط ميناء الداخلة بأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، ليست مجرد مشروع اقتصادي بل هي استراتيجية حضارية تعزز من العلاقات الإفريقية-الأوروبية-الأطلسية. المبادرة تحظى باهتمام دولي كبير، لا سيما من الولايات المتحدة والقوى الغربية، حيث توفر فرصًا جديدة للتعاون الاقتصادي والنقل بين إفريقيا وأوروبا.
في المقابل، يشير العدناني إلى أن الجزائر، التي تشهد حالة من التخبط في سياستها الخارجية، تحاول طرح مبادرات موازية عبر واجهات متوسطية أو من خلال الموانئ البديلة في النيجر وتشاد. لكن هذه المبادرات تفتقر إلى عمق استراتيجي، في الوقت الذي يظل فيه المنفذ الأطلسي للمغرب نقطة محورية في أي شراكة اقتصادية حقيقية في المنطقة.
ختاماً، يوضح الجيلالي العدناني أن المنطقة تشهد تغييرات كبيرة قد تؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات السياسية والجيوستراتيجية في غرب إفريقيا، وأن التحولات في مالي تؤثر بشكل مباشر على توازن القوى الإقليمية، خاصة في ما يتعلق بالصحراء المغربية.




