ثقافة

حسن الفد بين الضحك و الفكر : الكوميديا كأداة لإعادة تشكيل الواقع

في لحظة ثقافية استثنائية، شهدت قاعة ابن بطوطة ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط 2026، لقاءً أكاديمياً وفنياً جمع بين الفكر والجمال، احتفى بتجربة الكوميديان المغربي حسن الفد عبر كتاب جماعي بعنوان: “الذاكرة والمجتمع والمقدس في المشروع الكوميدي لحسن الفد”. الكتاب الذي تم إنجازه من قبل باحثين وأكاديميين، حاول فك شفرة تجربة الفد الكوميدية من زوايا متعددة: سوسيولوجية، نقدية، لغوية وجمالية.

لقد أثار الكتاب، الذي نُشر باللغتين العربية والفرنسية عن دار “زرياب للدراسات والنشر والتوزيع”، نقاشات واسعة حول مكانة الكوميديا في الثقافة المغربية. ويعد هذا الكتاب بمثابة دعوة لفتح أبواب الحوار حول الكوميديا، ليس كفن ترفيهي بسيط، بل كأداة فنية معقدة تعكس واقع المجتمع المغربي من خلال الفكاهة واللغة والتمثيل.

خلال مداخلته في اللقاء، قدّم حسن الفد تصوّراً مغايراً لما يعتقده الجمهور العادي حول الكوميديا. فبالنسبة له، الكوميديا ليست مجرد أداة لإثارة الضحك السطحي، بل هي بناء فني معقد يتطلب عملاً دقيقاً على الشخصيات، وعلى إعادة تركيب الواقع في قالب فني متكامل. كما أشار إلى أن اختزال الكوميديا في وظيفتها الترفيهية فقط، يعدّ تجاوزاً كبيراً لعمق هذا الفن وأبعاده الفكرية والجمالية.

أعاد حسن الفد التأكيد على أن الكوميديا ليست مجرد وسيلة للضحك السريع، بل هي لغة معقدة وفن يتطلب الوعي بتركيب الشخصيات والحوارات بطريقة تشبع الواقع الاجتماعي واللغوي. وأوضح أن الأسئلة التي أُثيرت حول جدوى دراسة تجربته الأكاديمية، مثل “من هو حسن الفد حتى نخصص له كتاباً؟”، هي في جوهرها أسئلة تعكس تصورات مجتمعية ضيقة لا تنظر إلى الكوميديا إلا من زاوية “الهزل” أو “الضحك الخالي من العمق”. الفد كان واضحاً في طرحه بأن هذا النوع من التصورات يعكس “أمية جمالية” تمنع المجتمع من التفاعل بعمق مع الكوميديا كأداة فكرية. بل وأكد أن الضحك ليس هو الهدف النهائي للعمل الكوميدي، بل هو نتيجة لحالة إبداعية تتقاطع فيها مستويات مختلفة: من اللغة إلى السلوك، ومن المرجعيات الاجتماعية إلى الأسس الجمالية.

في محاضرة قدمها خلال اللقاء، استعرض حسن الفد كيف يعكس مشروعه الكوميدي روح المسرح الإغريقي، حيث كان فن الدراما يقوم على محاكاة الواقع وإعادة صياغته. ويستند الفد في أعماله إلى فكرة أن الشخصيات الكوميدية القوية لا تُقاس بقدرتها على إضحاك الجمهور فقط، بل بمدى تجذرها في سياقات اجتماعية ونفسية وثقافية.

وفي هذا الصدد، استحضر الفد تجارب أعماله المميزة مثل “الكوبل” وشخصية “كبور”. حيث كشف أن نجاح هذه الشخصيات لا يعود فقط إلى الطرافة، بل إلى التفاصيل الدقيقة في بناء شخصياتها من حيث اللغة، التصرفات، والمرجعيات الثقافية.

الكتاب واللقاء أطلقا تساؤلات عميقة حول دور الكوميديا في الذاكرة الجماعية. فقد أشار الفد إلى أن العمل الكوميدي الجيد له قدرة على البقاء في الذاكرة والتأثير على الأجيال القادمة، وهو ما يتطلب من الفنان إلماماً عميقاً بتفاصيل الحياة اليومية للناس وبطريقة سرد واقعية للمجتمع الذي يعيشون فيه.

بذلك، ينتهي اللقاء الأكاديمي والفني في المعرض الدولي للنشر والكتاب، تاركاً الحضور أمام أسئلة متعددة حول الفن الكوميدي، وأثره في إعادة تشكيل الواقع، ومدى القدرة على فهمه كأداة تعبيرية عميقة تتجاوز حدود الضحك لتصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية للمجتمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى