تعيش الواحات المغربية، خاصة في الجنوب الشرقي، على وقع تحديات بيئية واقتصادية متزايدة، تضع هذا الموروث الطبيعي والإنساني العريق أمام مفترق طرق حاسم. فبين زحف الرمال المتسارع وتوسع الزراعات المستنزفة للمياه، وعلى رأسها زراعة البطيخ، باتت هذه “الجزر الخضراء” مهددة بفقدان توازنها البيئي الذي حافظت عليه لقرون.
في واحات وادي درعة، التي كانت إلى وقت قريب نموذجا للتناغم بين الإنسان والطبيعة، تتراجع الموارد المائية بشكل مقلق نتيجة توالي سنوات الجفاف، ما أدى إلى تدهور الغطاء النباتي وتراجع إنتاجية النخيل. هذا الوضع تفاقم بفعل الاستغلال المكثف للفرشات المائية من طرف بعض الزراعات الحديثة، التي تعتمد على الري المكثف، ما يسرّع من استنزاف المياه الجوفية.
ولا يقف الخطر عند حدود الماء، بل يمتد إلى زحف الرمال الذي أصبح يلتهم مساحات متزايدة من الواحات، محولا إياها تدريجيا إلى أراضٍ قاحلة. في مناطق مثل محاميد الغزلان، لم تعد مظاهر التدهور خفية، حيث تحولت مساحات كانت تعج بالحياة إلى مشاهد أقرب إلى “مقابر للنخيل”، بعدما جفت الأشجار واحترقت سعفها تحت وطأة العوامل المناخية القاسية.
هذا التحول البيئي العميق انعكس بشكل مباشر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان المحليين. فقد أدى تراجع النشاط الفلاحي إلى فقدان مصادر العيش، ودفع العديد من الشباب إلى الهجرة نحو المدن، بحثا عن فرص بديلة. ومع هذا النزيف البشري، بدأت المعارف التقليدية المرتبطة بتدبير المياه والزراعة الواحية في التلاشي، ما يهدد استمرارية هذا النموذج الفريد.
في المقابل، كانت الواحات تعتمد تاريخيا على نظام زراعي متكامل يقوم على ثلاث طبقات: نخيل في الأعلى، وأشجار مثمرة في الوسط، ومحاصيل خضرية في الأسفل، وهو نظام كان يضمن استدامة الموارد وتنوع الإنتاج. غير أن هذا التوازن بدأ ينهار تحت ضغط التغيرات المناخية والتحولات الاقتصادية.
إن إنقاذ الواحات المغربية لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة تتطلب تضافر الجهود بين الدولة والفاعلين المحليين، من خلال اعتماد سياسات مائية مستدامة، وتشجيع الزراعات الملائمة للبيئة الجافة، إلى جانب إعادة الاعتبار للمعرفة المحلية التي شكلت على مرّ التاريخ صمام أمان لهذا النظام البيئي الهش.
فالرهان اليوم لا يقتصر على حماية مجال جغرافي، بل يتعلق بالحفاظ على جزء من الهوية المغربية، وعلى نمط عيش متجذر في عمق التاريخ، مهدد بالاندثار إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
0 0 دقيقة واحدة




