يشهد الرأي العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحولات لافتة في مواقفه تجاه القضايا الإقليمية، خاصة في ظل تداعيات الحرب المستمرة في قطاع غزة، التي باتت عاملا حاسما في إعادة تشكيل تصورات الشعوب تجاه مختلف القوى الدولية والإقليمية. فقد كشفت نتائج الدورة التاسعة من “الباروميتر العربي” الصادرة في أبريل 2026 عن بروز اتجاه جديد يتمثل في تزايد نسبي في تأييد بعض السياسات الخارجية الإيرانية، رغم استمرار الحذر الشعبي من طموحات طهران الإقليمية وبرنامجها النووي.
هذا التحول لا يعكس بالضرورة تغيرا جذريا في نظرة الشعوب العربية إلى إيران كدولة، بقدر ما يعبر عن تفاعل ظرفي مع مواقفها المعلنة تجاه القضية الفلسطينية، خاصة في ظل الحرب الدائرة في غزة. فبالنسبة لعدد من المستجوبين، باتت مواقف الدول تقاس بمدى دعمها للفلسطينيين، وهو ما منح إيران، إلى جانب دول أخرى، نقاطا إضافية في ميزان الرأي العام.
في المغرب، على سبيل المثال، سجلت نسبة تقييم السياسة الخارجية الإيرانية بشكل إيجابي ارتفاعا ملحوظا، حيث بلغت 23 في المائة خلال خريف 2025، بزيادة قدرها 12 نقطة مئوية مقارنة بالفترات السابقة. غير أن هذا التحسن في الصورة لا يلغي استمرار المخاوف، إذ يرى نحو 60 في المائة من المغاربة أن البرنامج النووي الإيراني يشكل تهديدا خطيرا، كما يعتبر 41 في المائة أن نفوذها السياسي في المنطقة يهدد الأمن الوطني.
هذا التناقض الظاهري يعكس طبيعة معقدة للرأي العام، حيث يمكن أن يجتمع التقدير الظرفي لمواقف سياسية معينة مع استمرار التحفظات الاستراتيجية تجاه نفس الطرف. فالدعم المعلن للقضية الفلسطينية قد يمنح بعض الدول زخما شعبيا مؤقتا، لكنه لا يكفي لتغيير الانطباعات العميقة المرتبطة بعوامل جيوسياسية وأمنية طويلة الأمد.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع أن تقييم السياسات الإقليمية أصبح يرتبط بشكل مباشر بالموقف من الحرب في غزة، حيث اعتبر أغلب المستجوبين في الدول المشمولة أن إسرائيل تمثل تهديدا خطيرا للاستقرار، وهو ما انعكس على إعادة ترتيب أولويات العداء والصداقة في الوعي الشعبي. ففي كثير من الحالات، أصبح “عدو العدو” ينظر إليه بشكل أقل سلبية، ولو بشكل مؤقت.
وفي هذا السياق، برزت إيران كأحد الأطراف التي ينظر إليها، في بعض الدول، على أنها أكثر دعما للقضية الفلسطينية، إلى جانب دول مثل قطر والسعودية، حيث سجلت نسب التأييد لمواقفها ارتفاعا ملحوظا، خاصة في دول مثل لبنان وتونس والعراق. أما في المغرب، فقد بدت الصورة أكثر توازنا، إذ توزعت الآراء بين من يرى إيران داعمة لفلسطين، ومن يعتبرها أقرب إلى الحياد، أو حتى إلى الطرف الآخر.
وتكشف هذه المعطيات أن الرأي العام العربي لا يتحرك وفق اعتبارات أيديولوجية أو طائفية بحتة، بل يتفاعل بشكل كبير مع الأحداث الجارية، ويعيد تشكيل مواقفه بناء على التطورات الميدانية والسياسية. فالحرب في غزة لم تكن مجرد حدث عابر، بل شكلت لحظة مفصلية أعادت ترتيب الأولويات وأعادت تعريف مواقف القوى الإقليمية في نظر الشعوب.
في المحصلة، يبدو أن هذا التحول في المزاج العام يظل رهينا بتطورات الصراع في المنطقة، حيث يمكن أن يستمر أو يتراجع تبعا لتغير مواقف الدول وسلوكها على الأرض. وبين التعاطف الظرفي والحذر الاستراتيجي، يظل الرأي العام العربي في حالة دينامية مستمرة، تعكس تعقيدات الواقع السياسي في منطقة لا تعرف الاستقرار.




