بدأت ملامح المعركة الانتخابية المقبلة تتشكل في المغرب قبل أشهر من موعد الاقتراع، لكن هذه المرة ليس عبر التنافس التقليدي حول البرامج والوعود السياسية، بل من خلال سباق محموم بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية لمواجهة شبح العزوف الانتخابي الذي بات يثير قلقاً متزايداً داخل المشهد السياسي والمؤسساتي.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تكثفت الرسائل السياسية والرسمية الموجهة إلى المواطنين، وخاصة الشباب، لحثهم على التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة في التصويت، وسط مخاوف من تراجع نسب الإقبال على صناديق الاقتراع واستمرار أزمة الثقة في المؤسسات المنتخبة والعمل الحزبي.
وفي هذا السياق، اختارت أحزاب المعارضة الدخول مبكراً على خط التعبئة، حيث خصص حزب العدالة والتنمية جزءاً مهماً من أنشطته الأخيرة للدعوة إلى المشاركة السياسية، معتبراً أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق خارج المؤسسات. ووجه الأمين العام للحزب، عبد الإله ابن كيران، رسائل مباشرة للمواطنين تدعوهم إلى “عدم الاستسلام لليأس”، معتبراً أن تراجع النقاش السياسي الحقيقي ساهم في تعميق العزوف وفقدان الثقة.
كما سار حزب التقدم والاشتراكية في الاتجاه نفسه، من خلال الدعوة إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي وربط المسؤولية بالمحاسبة، محذراً من أن استمرار ضعف المشاركة يهدد دور الوساطة السياسية ويزيد من الفجوة بين المواطنين والمؤسسات. وأطلق الحزب حملة رقمية تستهدف الشباب بشكل خاص، في محاولة لإقناعهم بأهمية الانخراط في العملية الانتخابية بدل الاكتفاء بالنقاش داخل الفضاء الرقمي.
في المقابل، دخلت وزارة الداخلية بدورها على خط “التعبئة الإعلامية”، عبر لقاءات مع مسؤولي وسائل الإعلام العمومية وشبه العمومية، دعت خلالها إلى الانخراط في حملة تحسيسية واسعة تشجع المواطنين، خصوصاً الشباب، على التسجيل والمشاركة، باعتبار ذلك “رهاناً وطنياً” مرتبطاً بتعزيز المسار الديمقراطي.
ويأتي هذا التحرك الرسمي في وقت تواجه فيه المؤسسات الإعلامية العمومية انتقادات من بعض أحزاب المعارضة التي تتهمها بالغياب عن النقاش السياسي الحقيقي وعدم لعب دور فعال في تحفيز المشاركة السياسية وتوسيع النقاش العمومي.
وتعيد هذه التعبئة المبكرة إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول نسب المشاركة الانتخابية بالمغرب، خاصة بعد أن أظهرت تقارير ودراسات وجود فجوة متزايدة بين المواطنين والمؤسسات التمثيلية، في ظل شعور جزء واسع من المغاربة بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بشكل ملموس على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
ورغم أن نسبة المشاركة الرسمية في انتخابات 2021 بلغت أكثر من 50 في المائة، فإن المدن الكبرى وفئة الشباب ظلت تسجل نسب عزوف مرتفعة، ما يدفع الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين اليوم إلى اعتبار المشاركة نفسها التحدي الأكبر قبل أي رهان انتخابي آخر.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير حديثة عن مؤشرات مقلقة بخصوص علاقة الشباب المغربي بالسياسة، حيث عبر 7 من كل 10 شباب عن فقدان الثقة في المنتخبين والمؤسسات الرسمية، في معطى يعكس اتساع الهوة بين الأجيال الجديدة والعمل السياسي التقليدي.
ويرى متابعون أن جزءاً كبيراً من الشباب لم يعد يجد نفسه داخل الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة، مفضلاً التعبير عن آرائه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضاءات الرقمية، في ظل إحساس متزايد بأن صوته الانتخابي لا يغير الكثير في الواقع اليومي.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، تبدو الأحزاب والدولة أمام اختبار حقيقي: ليس فقط حول من سيفوز بالأغلبية، بل حول القدرة على إعادة إحياء الثقة في السياسة نفسها، وإقناع المغاربة بأن المشاركة لم تعد مجرد واجب انتخابي، بل وسيلة للتأثير وصناعة القرار.




