تعود أراضي الجماعات السلالية في المغرب إلى واجهة النقاش بقوة، ليس فقط باعتبارها رصيدا عقاريا ضخما، بل لأنها تختزل تناقضا حادا بين متطلبات التنمية وحماية الحقوق التاريخية لذويها. وفي قلب هذا الجدل، يبرز ملف الجماعة السلالية “أفرا” بإقليم طاطا كنموذج صارخ لتعقيدات هذا النوع من الملكيات، حيث يتداخل القانوني بالاجتماعي، ويتقاطع الإداري مع السياسي.
يمتد عقار “أفرا” على مساحة تقارب 19 ألف هكتار، وقد خضع منذ سنة 2010 لمسار التحديد الإداري الذي كرّس طابعه الجماعي وأخضعه لوصاية الدولة وفق ترسانة قانونية حديثة. غير أن هذا الإطار، الذي يُفترض أن يضمن الحماية والتنظيم، لم يمنع من تفجر نزاعات حادة حول كيفية تدبير الأرض واستغلالها.
فبعد استكمال مسطرة التعرضات بين سنتي 2014 و2015، بدا أن الملف يسير نحو الاستقرار القانوني، قبل أن تعيد مشاريع استثمارية عمومية، من بينها وحدة لتخزين الغاز، إشعال فتيل التوتر من جديد. إذ اعتبر نواب الجماعة السلالية أن هذه المشاريع بُنيت على عقود “باطلة”، في خرق واضح لمقتضيات التحديد الإداري، ما فتح الباب أمام صراع قانوني انتهى بإقرار القضاء ببطلان أحد عقود البيع المثيرة للجدل.
هذا التطور لم يكن مجرد حكم قضائي عابر، بل شكل نقطة تحول أعادت النقاش إلى جوهره: من يملك القرار في تدبير أراضي الجموع؟ وهل يمكن تبرير تجاوز المساطر القانونية بدعوى تحقيق التنمية؟
في المقابل، تطرح السلطات المحلية رؤيتها القائمة على تعبئة العقار لإنجاز مشاريع ذات منفعة عامة، في سياق يتسم بتزايد الضغط العمراني والحاجة إلى بنى تحتية وخدمات أساسية. غير أن هذا التوجه يصطدم برفض جزء من ذوي الحقوق، الذين يرون في هذه المشاريع تهديدا مباشرا لحقهم في الأرض، خصوصا في ظل غياب مقاربة تشاركية حقيقية.
ويزداد المشهد تعقيدا مع بروز خلافات جديدة، مثل مشروع إحداث ملعب للقرب، الذي فجّر بدوره جدلا حول الأولويات: هل تُخصص الأراضي الجماعية لمشاريع ترفيهية، أم لتلبية حاجيات السكن والاستقرار لذوي الحقوق؟
في العمق، يعكس ملف “أفرا” أزمة ثقة بين مختلف المتدخلين، ويكشف حدود المقاربة الحالية في تدبير الأراضي السلالية، التي ما تزال تتأرجح بين منطق الوصاية ومنطق الشراكة. فالنصوص القانونية، رغم تطورها، لا تكفي وحدها لضمان التوازن المطلوب، ما لم تُفعّل بروح تشاركية تحترم صوت الساكنة وتدمجها في اتخاذ القرار.
إن ما يحدث في “أفرا” ليس حالة معزولة، بل هو مرآة لإشكال وطني أوسع، حيث تتحول الأرض من عنصر استقرار إلى بؤرة توتر، في ظل تعدد المصالح وتضارب الرؤى. لذلك، فإن تجاوز هذا الوضع يقتضي إعادة التفكير في نموذج تدبير أراضي الجموع، عبر إرساء حكامة قائمة على الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل ذوي الحقوق في صلب أي مشروع تنموي.
فبين القانون والتنمية، تبقى العدالة المجالية واحترام الحقوق التاريخية هما الميزان الحقيقي لأي إصلاح ممكن.




