الرئيسية أخبار مجتمع عصر الزيتون تقليديا..موروث بمعاني غاية في النبل في طريقه إلى الزوال!!

عصر الزيتون تقليديا..موروث بمعاني غاية في النبل في طريقه إلى الزوال!!

19
0
OLYMPUS DIGITAL CAMERA

لا أحد يجادل في وجوب الحفاظ على كل ما هو موروث ماديا كان أو غير ذلك ، الكل يجمع على ضرورة انقاذ المندثر منه أو ما طاله النسيان وجور الزمان والإنسان،لأنه ببساطة القول يشكل ماضينا وتاريخنا الذي من المفروض أن نخوض في أغواره ،نستشف منه الدروس والعبر حتى تنير طريقنا المستقيم نحو المستقبل.

أحد مظاهر  ما نتحدث عنه اليوم عايشناه في مواكبة عملية عصر محاصيل زيت الزيتون بإحدى القرى النائية بإقليم تزنيت،الطريقة تقليدية قحة ترجع بنا إلى عقود غابرة لكنها غنية بدروس ومعاني غاية في النبل والانسانية.

الانضباط أساس كل عمل ،..لذلك يصحو مع آذان الفجر من عقد نيته في  “عصر”  محصول جادت به عليه الشجرة المباركة ..  يهيئ المستلزمات الضرورية للعملية..ثم يجهز الكل على ظهر الدابة صاحبة الدور الفعال في المهمة برمتها.

صدق قول المولى “لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس”..على ظهر  البغل أو الحمار تحمل الأكياس الثقيلة من حبات الزيتون المنظفة مسبقا قبل يوم أو يومين في اتجاه المعصرة  ،تنظف الأمكنة والأدوات  بعناية تامة.. الكل جاهز للعمل.

على بركة الله ..ينطلق العمل التعاوني التضامني المسمى محليا ب  “تيويزا”  شعاره “ساعدني اليوم حتى أساعدك غدا “.. الأجر مقابل العمل لا محل له من الإعراب في هذا المجال ..

العملية برمتها تتم بتركيز كبير.. تعتمد في أساسها على القوة العضلية للدابة ودورانها الروتيني عكس عقارب الساعة تماما طبقا للقوانين الطبيعية والفزيائية لكل مادة  أو بالمفهوم المحلي “تفاسييت” أو “الدوران اليميني” لأن بذلك تسهل الحركة و تحصل البركة  ..

الدوران الروتيني هذا هو الذي يسمح بإدارة صخرة كبيرة الحجم دائرية الشكل وثقيلة في الوزن تسحق سحقا  كلما وجدت أمامها من حبات.

استغرقت عملية السحق قرابة ساعتين من الزمن..استنفذت طاقة الدابة   فتطلب الأمر جهدا عضليا لبعض مساعديها من الناس ممن تنزل  في قلوبهم بعض الرحمة والشفقة على مخلوق من مخلوقات الله يتعب كما نتعب ويحس تماما كما نحس.

الخليط  جاهز مر مذاقه، بشهادة من يعانون بعض الفضول واستباق الأحداث..تملأ في أكياس تقليدية الصنع دائرية الشكل تشبه إلى حد كبير عجلات السيارات بفارق بسيط كون الأولى صنعت من الدوم الطبيعي وليس البلاستيك الاصطناعي المضر للبلاد والعباد.

ترتب الأكياس واحدة فوق الأخرى لتستعد لعملية ضغط ناذرة، اعتادت عليها على مر الزمان، في وضع لا تحسد عليه على كل حال.

عمود أشد ضخامة وأثقل وزنا مرتبط بآخر لولبي الشكل يستحق صانعه أن ينعت نجارا بكل المقاييس .. ينزل هذا العمود بدقة وتركيز عاليين وبشكل سلس ومحكم فكل خطأ مهما كان بسيطا سيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه لأن المعادلة تحسب بالأطنان.

شيئا فشيئا ينزل العمود بكل ما أوتي من وزن وقوة  على صدور الأكياس تعصر عصرا وتجرج  ما تخبأه من سائل رغما عنها..

النتيجة..  سائل ليس كل السوائل ، سائل لماع ، يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ،نور  على نور، زيت طبيعي بامتياز ..غذاء ودواء  يأبى عاصره إلا أن يشارك طعمه اللذيذ كل الحاضرين من الكبار والصغار..

قضى الغرض و تحقق المراد وإن كان الهاجس الأكبر لدى هؤلاء يتجاوز  جمع اللترات طمعا في التسويق وربح الأموال  إلى ما هو أبعد من ذلك وأعمق حفاضا على موروث الأجداد وتشبتا بالموطن والأصل ومنهج اقتصاد النذرة وبساطة العيش وراحة البال بعيدا عن ضجيج الماكينة العصرية التي وإن نجحت في توفير المتطلبات بأنسب الأثمان،مع ذلك افتقدنا معها  ذاك الجو التقليدي الجميل البسيط المليئ بقيم التضامن والأخوة والمحبة بين الناس.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here